صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
46
شرح أصول الكافي
قلت : ليس اشتراك طبيعة الوجود بين الموجودات كاشتراك المعنى الكلي بين افراده ، إذ طبيعة الوجود لو كانت امرا كليا كانت مبهمة محتاجة في تحققها إلى ما به يتحقق في الواقع ، كحال المعنى الجنسي أو النوعي أو العرضي حيث إن شيئا منها لا يتحقق بنفس معناه بل بوجود زائد عليه ، فلو كان الوجود كذلك لكان للوجود وجود اخر ويتسلسل إلى لا نهاية . فاذن الوجود في كل موجود نفس تعيّنه الخاص ووحدته الشخصية ، وليس حال طبيعته في الاشتراك والاختلاف كحال الكليّات الطبيعية في اشتراكها واختلاف افرادها ، إذ اشتراكها بأمر واختلافها في افرادها بأمر اخر زائد عليها وهذا بخلاف طبيعة الوجود ، فان ما به الاشتراك فيه عين ما به الاختلاف . والتفاوت بين احاد الوجود امّا بالشدة والضعف والتمام والنقص وامّا بعوارض خارجية ولواحق مادية فيما يقبل التكثر والانقسام . فالوجود الصرف التام الذي لا أتم منه ، لا يشوبه نقص ولا عموم ، ولا معنى خارج عن الحقيقة ، يمتاز عن ما سواه بنفس هويته وتمام ذاته البسيطة ، وليس وجوده شيء وتماميته وشدته شيء اخر . فثبت انه خلو عن مخلوقاته ومخلوقاته خلو عنه ، لان وجوداتها رشحات خارجة عن بحر وجوده وأضواء تابعة لشمس حقيقته . واما قوله عليه السلام : وكلما وقع عليه اسم الشيء فهو مخلوق ما خلا اللّه ، فلان كل شيء غيره اما ماهية أو وجود ، اما الماهية فلكونها غير الوجود يحتاج في موجوديتها إلى جاعل يجعلها موجودا ، إذ الماهية لا تقتضي وجود نفسها والا لكان وجودها قبل وجودها وهو محال ، ضرورة تقدم المقتضي على المقتضي . فكل ماهية أو ذو ماهية فهو مخلوق ، واما الوجود فلان كل وجود غير وجوده تعالى فهو يشو به عدم ونقص فيحتاج إلى موجد ، وله حد من مراتب الوجود يحتاج إلى محدد ، إذ لو كانت نفس طبيعة الوجود يقتضي ذلك الحد لكان الجميع كذلك وليس كذلك . هذا خلف . فاذن كل ماله حد وجودي فله علة محدة تحدّده على ذلك الحد ، وهذا بخلاف الوجود الإلهي الذي لا ينتهي شدته إلى حدّ ونهاية ، بل هو وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، فلا قاهر فوقه ولا محدّد له ، إذ ليس فيه شيء الا محض الحقيقة القدسيّة ، وكلّ وجود سواه مخلوق . فثبت ما هو المطلوب .